تسعى الحكومة العراقية إلى رفع إنتاج النفط إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا خلال ست سنوات، في خطوة قد تضع العراق في مواجهة مباشرة مع السعودية على صدارة أكبر منتجي النفط في الشرق الأوسط، بحسب أليكس كيماني، الكاتب المتخصص في الشؤون المالية والاستثمار والهندسة والباحث لدى Safehaven.com. ويستند هذا الطموح إلى احتياطيات العراق النفطية الضخمة، وتحسن بيئة الاستثمار، وعودة شركات نفط غربية كبرى إلى البلاد.

 

ويستعرض موقع «أويل برايس» فرص العراق في تحقيق هذا الهدف، مشيرًا إلى ثلاثة عوامل رئيسية قد تجعل الوصول إلى إنتاج يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا أمرًا ممكنًا، بل وقد تتيح لبغداد تجاوز السعودية لتصبح أكبر منتج للنفط في المنطقة.

 

 

احتياطيات ضخمة تجعل هدف العراق قابلًا للتحقيق

 

تعتمد قوة معظم دول الشرق الأوسط الاقتصادية والجيوسياسية على إنتاجها من النفط والغاز، ولذلك تسعى هذه الدول إلى تعظيم إنتاجها، سواء عبر زيادة الإنتاج فعليًا أو الإعلان عن طاقات إنتاجية أعلى أو التنبؤ بارتفاع الإنتاج مستقبلًا.

 

وقد اعتاد العراق تاريخيًا أن يقع ضمن الفئة الأخيرة، إذ أعلن مرارًا عن خطط لزيادة إنتاج النفط بمعدلات كبيرة، لكنها لم تتحقق. أما السعودية، أكبر منتج للنفط في الشرق الأوسط، فقد اعتادت الإشارة في أوقات مختلفة إلى طاقة إنتاجية تبلغ 11 أو 12 أو 13 مليون برميل يوميًا.

 

وتشير البيانات إلى أن متوسط إنتاج العراق من النفط الخام بلغ 2.38 مليون برميل يوميًا خلال الفترة من 1973 إلى 2026. وقبل بدء حصار أحد أهم ممرات نقل النفط في العالم في فبراير، كان العراق ينتج 4.14 مليون برميل يوميًا.

 

أما السعودية، فلم تقترب في أي فترة مستدامة من مستويات الطاقة الإنتاجية التي أعلنتها، بما يبرر وصفها بهذه الطاقة وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وبلغ متوسط إنتاج المملكة من النفط الخام 8.29 مليون برميل يوميًا بين 1973 و2026، بينما وصل إنتاجها إلى 10.1 مليون برميل يوميًا قبل حصار مضيق هرمز.

 

ومع ذلك، قد يثبت إعلان رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، الذي تعهد برفع إنتاج البلاد إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا خلال ست سنوات، صحته هذه المرة، لثلاثة أسباب رئيسية.

 

أول هذه الأسباب أن العراق يمتلك احتياطيات نفطية كافية لتحقيق هذا المستوى من الإنتاج إذا أُديرت بصورة صحيحة. ووفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمتلك العراق رسميًا نحو 145 مليار برميل من احتياطيات النفط الخام المؤكدة، وهو تقدير محافظ يعادل قرابة 18% من إجمالي احتياطيات الشرق الأوسط ونحو 9% من الاحتياطيات العالمية.

 

أما التقديرات غير الرسمية، فتشير، وفقًا لتحليل أجراه الكاتب في كتابه الأخير عن أسواق النفط العالمية، إلى أن الموارد غير المكتشفة في العراق بلغت نحو 215 مليار برميل في الفترة نفسها التي أُعدت فيها أرقام الاحتياطيات الرسمية. ويتوافق ذلك مع دراسة تفصيلية أعدتها شركة Petrolog عام 1997، رغم أن هذا الرقم لم يشمل مناطق شمال العراق الواقعة في إقليم كردستان شبه المستقل.

 

وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن معظم هذه الحقول حُفرت خلال فترة سبقت سبعينيات القرن الماضي، حين كانت القيود التقنية وانخفاض أسعار النفط تضيق تعريف البئر القابل للاستغلال التجاري مقارنة بالمعايير التي ظهرت لاحقًا.

 

وبصورة إجمالية، قدرت وكالة الطاقة الدولية الموارد القابلة للاستخراج في نهاية المطاف في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، بنحو 246 مليار برميل من النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي.

 

وتندرج هذه الأرقام ضمن نطاقات التقرير الحكومي «استراتيجية الطاقة الوطنية المتكاملة» الذي أُطلق عام 2013، ووضع ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لإنتاج النفط العراقي. وكان السيناريو الأفضل يفترض ارتفاع الطاقة الإنتاجية للنفط الخام إلى 13 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2017، مع بقاء الإنتاج عند هذا المستوى تقريبًا حتى 2023 قبل تراجعه تدريجيًا إلى نحو 10 ملايين برميل يوميًا لفترة طويلة.

 

أما السيناريو المتوسط، فكان يتوقع وصول العراق إلى إنتاج يبلغ 9 ملايين برميل يوميًا بحلول 2020، بينما افترض السيناريو الأسوأ بلوغ الإنتاج 6 ملايين برميل يوميًا في العام نفسه.

 

وبناءً على ذلك، يبدو هدف الإنتاج الحالي، الذي يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا، سيناريو معقولًا.

 

 

عودة الشركات الغربية ومشروع توتال إنرجيز الضخم

 

يرتبط العامل الثاني بتحول تدريجي في توجه بغداد خلال الجزء الأخير من فترة حكم رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، واستمرار هذا المسار في عهد رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، نحو الاستجابة للمطالب الأمريكية المتعلقة بالحد من ممارسات الفساد واسعة النطاق، والتي دفعت شركات غربية إلى مغادرة العراق خلال السنوات الماضية.

 

ووثقت منظمة الشفافية الدولية لسنوات عبر «مؤشر مدركات الفساد» حجم المشكلات التي عانى منها العراق، مشيرة إلى أنه كان من بين أسوأ الدول على مؤشرات الفساد والحوكمة، مع تفاقم مخاطر الفساد بسبب ضعف الخبرة في الإدارة العامة، ومحدودية القدرة على استيعاب تدفقات أموال المساعدات، والانقسامات الطائفية، وغياب الإرادة السياسية الكافية لمكافحة الفساد.

 

وأشارت المنظمة كذلك إلى انتشار الاختلاس واسع النطاق، والاحتيال في عمليات المشتريات، وغسل الأموال، وتهريب النفط، والرشوة البيروقراطية، وهي عوامل دفعت العراق إلى أدنى مراتب التصنيفات الدولية المتعلقة بالفساد، وأسهمت في تأجيج العنف السياسي وإعاقة بناء مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات بكفاءة.

 

كما حد تدخل السياسة في هيئات مكافحة الفساد وتسييس قضايا الفساد، إلى جانب ضعف المجتمع المدني وانعدام الأمن ونقص الموارد وعدم اكتمال الأطر القانونية، من قدرة الحكومة على مواجهة الفساد المتصاعد بكفاءة.

 

وأدى خروج الشركات الغربية التي كانت تمتلك مزيجًا مثاليًا من الخبرات البشرية والقدرات التكنولوجية العالية والمعدات المتطورة اللازمة لحفر الآبار النفطية بكفاءة وبناء البنية التحتية الواسعة المطلوبة لزيادة الإنتاج على المدى الطويل إلى أضرار كبيرة بالقطاع النفطي العراقي.

 

لكن مع تراجع مستويات الفساد بصورة عامة في تعاملات الشركات الغربية مع العراق، بالتزامن مع عقوبات جديدة فرضتها واشنطن على بغداد بسبب مساعدتها لإيران على مدار السنوات الماضية، عادت بعض الشركات الرئيسية إلى البلاد.

 

ويأتي العامل الثالث، والأهم من حيث تطوير حقول النفط والغاز وبناء البنية التحتية الأساسية، في مشروع شركة «توتال إنرجيز» الفرنسية العملاقة، البالغة قيمته 27 مليار دولار، والذي حصل أخيرًا على التصديق في 2023.

 

ويتضمن المشروع أربعة محاور رئيسية، من بينها زيادة كمية الغاز المصاحب التي يجري التقاطها خلال عمليات استخراج النفط بصورة كبيرة. ويساعد ذلك في تقليل كمية النفط التي يستهلكها العراق لتوليد الكهرباء محليًا، ما يتيح تخصيص كميات أكبر للتصدير، ويمكن إعادة توجيه جزء من عائداتها إلى تطوير الحقول.

 

كما يستهدف المشروع زيادة إنتاج حقل الرطاوي النفطي من نحو 60 ألف برميل يوميًا إلى 120 ألف برميل يوميًا خلال المرحلة الأولى، مع الوصول في نهاية المطاف إلى 210 آلاف برميل يوميًا. ومن شأن ذلك أن يوضح للعراقيين إمكانية رفع معدلات الاستخلاص في الحقول الأخرى.

 

لكن العامل الحاسم يتمثل في تثبيت الضغط داخل أكبر الحقول النفطية العراقية ثم رفعه، عبر معالجة مياه البحر وإعادة توجيهها إلى هذه الحقول من خلال «مشروع إمدادات مياه البحر المشتركة» (CSSP).

 

 

11.5 مليون برميل يوميًا.. هل يتجاوز العراق السعودية؟

 

في ضوء هذه العوامل، ارتفعت فرص العراق في تحقيق هدفه الجديد، البالغ 8 إلى 10 ملايين برميل يوميًا، بصورة كبيرة.

 

وتشير عملية حسابية تقريبية، تستند فقط إلى الحقول العملاقة ومعدلات الإنتاج القصوى المستهدفة أصلًا في عقود الخدمات الفنية الخاصة بها، إلى إمكانية الوصول إلى نحو 11.5 مليون برميل يوميًا من إنتاج النفط.

 

ويشمل ذلك حقل الرميلة بطاقة إنتاجية تبلغ 2.1 مليون برميل يوميًا، وحقل غرب القرنة-2 بنحو 1.8 مليون برميل، وغرب القرنة-1 بنحو 1.6 مليون برميل، ومجنون بنحو 1.8 مليون برميل، والزبير بنحو 1.2 مليون برميل، وحقول كركوك الاتحادية بنحو مليون برميل، إلى جانب حقول الحلفاية وشرق بغداد والغراف وبدرة التي يصل إنتاجها المستهدف مجتمعًا إلى مليوني برميل يوميًا.

 

وتفترض هذه المستويات القصوى وجود مشروع إمدادات مياه البحر المشتركة بكفاءة، واستمرار الاستثمارات الكافية، وقيادة شركات النفط الأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية لهذه المشروعات.

 

والأهم أن رقم 11.5 مليون برميل يوميًا لا يشمل أيًا من حقول النفط الـ115 الأخرى الموجودة في العراق، كما لا يشمل حقول شمال البلاد التي تديرها حكومة الإقليم شبه المستقل هناك.

 

وبالتالي، فإن وصول العراق إلى إنتاج يتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا يبدو هدفًا قابلًا للتحقق، وقد يفتح الباب أمام تحول كبير في خريطة منتجي النفط في الشرق الأوسط، وصولًا إلى إمكانية منافسة السعودية على صدارة المنطقة.


 

https://oilprice.com/Energy/Crude-Oil/Can-Iraq-Really-Replace-Saudi-Arabia-As-The-Middle-Easts-Top-Oil-Producer.html